محمد بن جرير الطبري

277

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بكثرة إساءته ، وطولِ عِصيانه إياه ، وكثرة صفح المستدرِج ، وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ ( 1 ) = فإنما هو خادع نفسه لا شك ، دون من حدّثته نفسه أنه له مخادعٌ . ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكونَ خدَعَ غيرَ نفسه ، إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَه . وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به ، وأنه غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسه دون غيرها ، لما يُوَرِّطها بفعله من الهلاك والعطب - فالواجب إذًا أن يكون الصحيح من القراءة : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون ( وما يخادعون ) لأن لفظ " المخادع " غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة ، ولفظ " خادع " موجب تثبيت خديعة على صحة . ولا شك أن المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنَفْسه بما رَكِبَ من خداعه ربَّه ورسولَه والمؤمنين - بنفاقه ، فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ) . ومن الدلالة أيضًا على أن قراءة من قرأ : ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) أولى بالصحة من قراءة من قرأ : ( وما يخادعون ) ، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعون الله والمؤمنين في أول الآية ، فمحال أن يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه ، لأن ذلك تضادٌّ في المعنى ، وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ . القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : { وَمَا يَشْعُرُونَ ( 9 ) } يعني بقوله جل ثناؤه " وما يَشعرون " ، وما يَدْرُون . يقال : ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر ، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم - شِعرًا وشعورًا . وقال الشاعر :

--> ( 1 ) سياق هذه العبارة : " ليبلغ المخاتل المخادع . . . أقصى غاية " ، وسياق الذي يليها من صدر الجملة : " فأما والمخادع عارف . . . فإنما هو خادع نفسه . . . " ، وما بينهما فصل طويل .